an hurriyat al irada jadal aw muqaranah - desiderius erasmus

ملخص

كتاب "جدلية الإرادة الحرة" (De libero arbitrio diatribe sive collatio) لديديريوس إيراسموس هو عمل لاهوتي فلسفي يناقش فيه إيراسموس مفهوم الإرادة الحرة البشرية في سياق الخلاص والنعمة الإلهية. كان الكتاب ردًا مباشرًا على آراء مارتن لوثر التي كانت تميل إلى إنكار الإرادة الحرة بشكل كبير لصالح القدر الإلهي الشامل والعجز البشري الكلي. يحاول إيراسموس إيجاد مسار وسطي، مؤكدًا أن البشر يمتلكون قدرة محدودة على اختيار الخير والتعاون مع النعمة الإلهية، دون أن يقلل من الدور الحاسم لتلك النعمة. يجمع إيراسموس أدلة كتابية وفلسفية لدعم موقفه، مجادلًا بأن إنكار الإرادة الحرة تمامًا يجعل الله يبدو ظالمًا ويقضي على الحافز البشري للسعي الأخلاقي.

أقسام الكتاب

قسم 1: المقدمة ومفهوم الإرادة الحرة

يفتتح إيراسموس كتابه ببيان غرضه وهو معالجة مسألة الإرادة الحرة، وهي نقطة خلافية وحاسمة في اللاهوت المسيحي. يعترف إيراسموس بصعوبة الموضوع وضرورة التعامل معه بحذر وتواضع، خاصة وأن التعمق المفرط في هذه المسألة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة مثل اليأس أو التهاون. يحدد إيراسموس موقفه من البداية، مفرقًا بين الرؤى المتطرفة التي إما تبالغ في قدرة الإرادة البشرية (مثل البيلاجية) أو تنكرها تمامًا (مثل بعض آراء لوثر).

يقدم إيراسموس تعريفه للإرادة الحرة، حيث يصفها بأنها "قوة الإرادة البشرية التي يمكن للإنسان من خلالها أن يوجه نفسه نحو الأشياء التي تقود إلى الخلاص الأبدي، أو يبتعد عنها". يؤكد على أن هذه القوة ليست مستقلة تمامًا عن النعمة الإلهية، بل هي قدرة على التعاون معها أو مقاومتها. يرى أن إنكار الإرادة الحرة تمامًا يجرد البشر من مسؤوليتهم الأخلاقية ويجعل الوصايا الإلهية لا معنى لها. يشدد على أن الله، في عدله، لا يمكن أن يأمر البشر بشيء لا يملكون القدرة، حتى لو كانت محدودة، على تحقيقه.

الشخصية الخصائص الشخصية
ديسيديريوس إيراسموس عالم لاهوت، إنساني، باحث، كاهن كاثوليكي معتدل، دبلوماسي، يميل إلى التوفيق، عقلاني، حريص على الوحدة الكنسية، يقدر الحرية الفكرية والنهج العقلاني في اللاهوت.
مارتن لوثر (ممثلاً للموقف المعارض) مصلح لاهوتي، راهب أوغسطيني، أستاذ جامعي حازم، جذري، يؤمن بقوة بالنعمة وحدها والخلاص بالإيمان، يعتقد في العجز الكلي للإنسان بعد السقوط، ويجادل بأن الإرادة البشرية مستعبدة للخطيئة.

قسم 2: الحجج الكتابية المؤيدة للإرادة الحرة

في هذا القسم، يجمع إيراسموس العديد من المقتطفات من الكتاب المقدس، سواء من العهد القديم أو العهد الجديد، لدعم فكرة وجود الإرادة الحرة. يستشهد بآيات توحي بأن البشر مسؤولون عن اختياراتهم ويملكون القدرة على الطاعة أو العصيان.

  • من العهد القديم: يذكر إيراسموس آيات مثل سفر التثنية (30: 19): "قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة. فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك"، ويستدل بآيات من سفر يشوع بن سيراخ (15: 14-17) التي تقول إن الله خلق الإنسان وترك له الاختيار بين الخير والشر. هذه الآيات، في رأيه، لا يمكن أن تكون صادقة إذا لم يكن للإنسان أي قدرة على الاختيار.
  • من العهد الجديد: يستشهد إيراسموس بأقوال يسوع المسيح التي تدعو الناس إلى التوبة والإيمان، مثل متى (23: 37): "كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا". كما يشير إلى التحذيرات والعقوبات الموجهة ضد الخطاة في الكتاب المقدس، والتي لا يكون لها معنى إذا كان البشر لا يملكون خيارًا حقيقيًا. آيات مثل رؤيا يوحنا (3: 20): "هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" تدل على أن الله يقدم الدعوة، ولكن الاستجابة تعتمد على اختيار الإنسان.

يرى إيراسموس أن هذه الآيات لا تظهر فقط وجود الإرادة الحرة، بل تؤكد أيضًا على عدل الله. فمن غير المعقول أن يأمر الله البشر بشيء ثم يعاقبهم على عدم فعله إذا كانوا غير قادرين على ذلك بسبب فقدان كامل للإرادة الحرة.

قسم 3: معالجة الحجج المضادة ودور النعمة

يدرك إيراسموس وجود نصوص كتابية تبدو وكأنها تدعم الفكرة المقابلة، أي أن الله وحده هو من يعمل كل شيء وأن الإنسان عاجز تمامًا. يعالج هذه "الحجج المضادة" بتفسير متوازن.

  • آيات عن سيادة الله: يعترف إيراسموس بآيات مثل تلك الموجودة في رسالة بولس إلى أهل رومية (9) التي تتحدث عن اختيار الله السيادي وعن رحمته التي يمنحها لمن يشاء، وقسوته على من يشاء. لكنه يجادل بأن هذه الآيات لا تنفي الإرادة الحرة تمامًا، بل تؤكد على أن النعمة الإلهية ضرورية ومهيمنة. لا يمكن للإنسان أن يحقق الخلاص بقوته الذاتية وحدها، لكنه قادر على الاستجابة لدعوة النعمة.
  • علاقة الإرادة الحرة بالنعمة: يقدم إيراسموس نموذجًا للتفاعل بين الإرادة الحرة والنعمة. يقارن الإرادة الحرة بالعين التي تحتاج إلى الضوء (النعمة) لترى. العين لا تخلق الضوء، ولكنها تختار فتحه أو إغلاقه للاستفادة من الضوء المتاح. وبهذه الطريقة، فإن الإرادة الحرة لا تعمل بشكل مستقل عن النعمة، بل تتعاون معها. النعمة هي التي تمكن الإرادة الحرة وتوجهها. يشدد إيراسموس على أن النعمة الإلهية تأتي "قبل" الإرادة الحرة لتحفيزها، و"معها" لتمكينها، و"بعدها" لإكمال العمل. بدون النعمة، الإرادة الحرة لا تستطيع فعل شيء للخلاص.
  • مخاطر إنكار الإرادة الحرة: يحذر إيراسموس من أن إنكار الإرادة الحرة بشكل كلي يمكن أن يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين: إما اليأس، حيث يعتقد الناس أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء للخلاص فيتخلون عن السعي الروحي، أو التهاون، حيث يعتقدون أن الله سيفعل كل شيء بغض النظر عن أفعالهم. كلاهما يقوض الدافع للأخلاق والتقوى.

قسم 4: الاستنتاج والدعوة إلى الاعتدال

يختتم إيراسموس جدليته بتأكيد موقفه المعتدل والوسطي. يدعو إلى تبني لاهوت يحترم سيادة الله ونعمته، وفي الوقت نفسه يؤكد على مسؤولية الإنسان وقدرته على الاستجابة لتلك النعمة. يرى أن هذا التوازن هو الأقرب إلى روح الكتاب المقدس والتعاليم المسيحية.

  • الحاجة إلى التواضع: ينصح إيراسموس اللاهوتيين بالتعامل مع هذه المسائل العميقة بتواضع، وعدم محاولة فهم كل أسرار الله بشكل كامل. فالبعض من أسرار الإيمان يفوق الفهم البشري.
  • التحذير من الغلو: يحذر من الآراء المتطرفة التي تقود إما إلى الغرور البشري أو إلى إنكار قدرة الله على العمل من خلال الإنسان. يؤكد أن أفضل طريقة هي التمسك بتعليم الكنيسة التقليدي الذي وجد دائمًا مساحة للإرادة الحرة كجزء من عمل الله الخلاصي.
  • الخلاصة: إن الإرادة الحرة، في رأي إيراسموس، هي قدرة محدودة، تمكن الإنسان من التعاون مع النعمة الإلهية، أو رفضها. إنها لا تلغي سيادة الله، بل تكملها، وتحافظ على عدل الله وحكمته في التعامل مع البشر.

النوع الأدبي: مقال لاهوتي/فلسفي، جدل، جدلية (Diatribe).

معلومات عن المؤلف:
ديديريوس إيراسموس روترداموس (1466-1536) كان عالم إنساني هولندي بارز، وكاهنًا كاثوليكيًا، ولاهوتيًا، وباحثًا كلاسيكيًا. يُعتبر شخصية رئيسية في عصر النهضة الشمالية. اشتهر بعمله النقدي في إصدار نصوص يونانية جديدة للعهد الجديد (Novum Instrumentum omne)، والذي أثر بشكل كبير على الترجمات المستقبلية للكتاب المقدس، بما في ذلك ترجمة مارتن لوثر الألمانية. سعى إيراسموس إلى إصلاح الكنيسة الكاثوليكية من الداخل من خلال التعليم والعودة إلى المصادر المسيحية المبكرة، ودافع عن موقف معتدل في النقاشات اللاهوتية. كان مؤيدًا للحوار العقلاني والسلام، ومعارضًا للانقسامات الجذرية التي سببها الإصلاح البروتستانتي.

الدروس المستفادة (المغزى):
يُركز الكتاب على أهمية إيجاد توازن بين النعمة الإلهية والمسؤولية البشرية في مسألة الخلاص. يدعو إيراسموس إلى الاعتدال في النقاشات اللاهوتية ويحذر من تبني مواقف متطرفة تلغي الإرادة الحرة للإنسان أو تجعل الله يبدو ظالماً. الرسالة الأساسية هي أن البشر يمتلكون قدرة محدودة على اختيار الخير والتعاون مع نعمة الله، مما يدعو إلى ضرورة السعي الأخلاقي والمسؤولية الفردية. كما يشدد على أهمية التواضع في معالجة الأسرار الإلهية.

حقائق مثيرة للاهتمام:

  • كان هذا الكتاب رد إيراسموس المباشر على آراء مارتن لوثر حول الإرادة الحرة، والتي كانت نقطة خلاف رئيسية بين إيراسموس (الذي كان يمثل الإنسانية المسيحية) ولوثر (الذي كان يمثل الإصلاح البروتستانتي).
  • رد لوثر على عمل إيراسموس بكتابه الشهير "في إرادة العبودية" (De servo arbitrio) عام 1525، والذي رفض فيه الإرادة الحرة بشكل أكثر جذرية وشدة، مؤكدًا على العجز الكلي للإنسان بعد السقوط والخلاص بالنعمة وحدها.
  • يسلط هذا الجدل الضوء على خطوط الصدع اللاهوتية والفكرية التي كانت تظهر خلال عصر الإصلاح البروتستانتي، ويعكس التوتر بين التفكير الإنساني الذي يؤكد على كرامة الإنسان وقدرته، واللاهوت الإصلاحي الذي يشدد على فساد الإنسان وحاجته المطلقة للنعمة الإلهية.
  • على الرغم من أن إيراسموس كان ينتقد العديد من ممارسات الكنيسة، إلا أنه حاول الحفاظ على وحدة الكنيسة الكاثوليكية ورأى أن المواقف الراديكالية للوثر كانت مدمرة ومثيرة للانقسام. كان الجدل حول الإرادة الحرة بمثابة نقطة تحول أدت إلى انفصال إيراسموس العلني عن حركة الإصلاح.